حيدر حب الله
209
بحوث في فقه الحج
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) « 1 » . حيث إنّ ظاهر الآية وجوب الذكر بكلّ ما يصدق عليه أنّه ذكر من دعاء أو تكبير أو تهليل أو غير ذلك ، ومؤكّد الوجوب في الآية تكرّر صيغة الأمر مرتين فيها ، مضافاً إلى المقارنة مع الهداية الإلهية بناءً على أنّ المراد من « كما هداكم » أي بنفس الحجم الذي هداكم به ، وبما يساوق هدايته لكم ، فإن مثل هذا الذيل واضح الإصرار على طلبه الذكر بعد عظيم النعمة بالهداية الإلهية التي لا تقاس بها نعمة . قد يقال : إنّ التعبير ب - ( وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) موجب لاختصاص دلالة الآية بذلك الزمان ، حيث كان المسلمون كفاراً ثم اهتدوا بنعمة الإسلام ، أما في مثل عصرنا ، حيث يولد المسلمون مسلمين فلا معنى لانطباق هذا العنوان عليهم . إلا أنّ هذا الكلام غير متين ، فإن الهداية الإلهية عامة شاملة للناس أجمعين ، وهي ذات ديمومةٍ واستمرار ، ولا تنحصر بالهداية من الكفر إلى الإيمان ، فبوحدة الملاك يعلم أن موجب الذكر واحد ، لاسيّما بقرينة قوله تعالى : ( وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى ) ؛ حيث صحّ التعبير بالهداية بعد الضلال رغم عدم وجود كفرٍ سابق ، كما هو المعروف في العقيدة الإسلامية . وقد ذكرنا سابقاً المنع عن اندكاك الذكر المراد بالآية في مثل الصلاة ؛ إذ ظاهرها التأسيس لحكم جديد ، لا توكيد حكم آخر مما يحتاج عادةً وعرفاً إلى دليل وقرينة ، كما كنا قد ناقشنا مجمل الملاحظات المسجّلة على الاستدلال بالآية ، فليراجع . الوجه الثاني : وفي الآية التي تليها فوراً قال تعالى : ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ) ، وهي دالّة على لزوم الاستغفار مع الإفاضة أو عقيبها ، والاستغفار لا يمكن دكّه في الصلاة أو نحوها مما هو واجب فيها ، كما هو واضح ، كما لا موجب لصرف ظهور الآية عن الوجوب . الوجه الثالث : وفي الآية التي تليها فوراً ، قال تعالى : ( فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً . . . ) .
--> ( 1 ) . البقرة : 198 .